فخر الدين الرازي
271
تفسير الرازي
قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحى إِلَىَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ * وَقَالُواْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى الَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ " 51 " فأبطله ودمغه ، فقال ههنا ليس للباطل تحقق أولاً وآخراً ، وإنما المراد من قوله : * ( فيدمغه ) * أي فيظهر بطلانه الذي لم يزل كذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى في موضع آخر : * ( وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ) * يعني ليس أمراً متجدداً زهوق الباطل ، فقوله : * ( وما يبدئ الباطل ) * أي لا يثبت في الأول شيئاً خلاف الحق * ( ولا يعيد ) * أي لا يعيد في الآخرة شيئاً خلاف الحق . ثم قال تعالى ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربي إنه سميع قريب ) . هذا فيه تقرير الرسالة أيضاً وذلك لأن الله تعالى قال على سبيل العموم : * ( من اهتدى فلنفسه ) * وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم : * ( وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) * يعني ضلالي على نفسي كضلالكم ، وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتداء كم ، وإنما هو بالوحي المبين ، وقوله : * ( إنه سميع ) * أي يسمع إذا ناديته واستعديت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير ، ليس يسمع عن بعد ولا يلحق الداعي . ثم قال تعالى ( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) . لما قال : * ( سميع ) * قال هو قريب فإن لم يعذب عاجلاً ولا يعين صاحب الحق في الحال فيوم الفزع آت لا فوت ، وإنما يستعجل من يخاف الفوت . وقوله : * ( ولو ترى ) * جوابه محذوف أي ترى عجباً * ( وأخذوا من مكان قريب ) * لا يهربون وإنما الأخذ قبل تمكنهم من الهرب . ثم قال تعالى ( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) . أي بعد ظهور الأمر حيث لا ينفع إيمان ، قالوا آمنا * ( وأنى لهم التناوش ) * أي كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب وذلك لا يكون إلا في الدنيا وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة ، فإن قيل فكيف قال كثير من المواضع إن الآخرة من الدنيا قريبة ، ولهذا سماها الله الساعة وقال : * ( لعل الساعة قريب ) * نقول الماضي كالأمس الدابر بعدما يكون إذ لا وصول إليه ، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت ، فيوم القيامة الدنيا بعيدة لمضي ها وفي الدنيا يوم القيامة قريب لإتيانه والتناوش هو التناول عن قرب . وقيل عن بعد ، ولما جعل الله الفعل مأخوذاً كالجسم جعل ظرف الفعل وهو الزمان كظرف الجسم وهو المكان فقال : * ( من مكان بعيد ) * والمراد ما مضى من الدنيا . ثم بين الله تعالى أن إيمانهم لا نفع فيه بسبب أنهم كفروا به من قبل ، والإشارة في قوله